علي بن أحمد المهائمي
630
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
يكون كافرا بهذا ألا ييأس ، ( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [ يوسف : 87 ] ) ، ولم ييأس فرعون عند الغرق حتى يقال فيه : إنه وإن آمن بالكل كان آيسا ، فإن إياس مثله مانع من أصل الإيمان . ( فلو كان فرعون ممن ييأس ما بادر إلى الإيمان ) ؛ لأنه إنما بادر إليه لرجاء النجاة من الغرق ؛ ولذلك لامه جبريل عليه ، وإذا كان آخر أمر فرعون الإيمان ، وإن كان مع هلاكه وهلاكه ملكه ، لكن كان سبب نجاته عن الخلود في النار ، وإن كان بعد المدة المديدة حتى يقال عليها الخلود مجازا كما ورد في حق القائل ، والإضلال أشد منه ، وقد كان منه أيضا . [ فكان موسى عليه السّلام كما قالت امرأة فرعون فيه : قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا [ القصص : 12 ] ، وكذلك وقع ؛ فإنّ اللّه نفعهما به عليه السّلام ، وإن كانا ما شعرا بأنّه هو النّبيّ الّذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون وهلاك آله ، ولمّا عصمه اللّه من فرعون وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [ القصص : 10 ] من الهمّ الّذي كان قد أصابها ، ثمّ إنّ اللّه حرّم عليه المراضع حتّى أقبل على ثدي أمّه فأرضعته ليكمّل اللّه لها سرورها به ] . ( فكان موسى عليه السّلام كما قالت امرأة فرعون : فيه قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [ القصص : 9 ] عَسى أَنْ يَنْفَعَنا [ القصص : 9 ] ) ، ويظل زعم من قال : إنه لم ينفعه ؛ لأنه رد قولها عليها ، وقال : لك لا لي ؛ لأنه ( كذلك وقع ) ، وكذا بطل قول من قال : إن كمالها كان عند إيمانها ، وكان إيمانها عند غلبة موسى السحرة ، فنقول : إنها إنما أظهرت الإيمان عند ذلك ، وكانت مؤمنة قبله ؛ لكونها من بني إسرائيل من أولاد الأنبياء ، لكن أخفت الإيمان عليهم لما غلب عليها الحال فأظهرت ، ثم إن رد الناقص قول الكامل لا يبطله بالكلية ، فيكفي أن يبطل النفع الدنيوي عنه . ثم استشعر سؤالا بأنها لو قالت عن اطلاع لاطلعت على نبوته ، وعلمت أنه النبي الذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون ؟ فأجاب : إن المنطق من النطق الإلهي لا يلزم أن يشعر بما ينطق به فضلا عما لا ينطق ؛ فقال : ( وإن كانا ما شعرا بأنّه هو النّبيّ الّذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون وهلاك آله ) ، ومن اطلع على أمر غيبي لا يلزم أن يطلع على جميع الأمور الغيبية ؛ فإنه لا يظهر على غيبه الكلي أحد إلا من ارتضى من رسول ، هذا ما جعله الشيخ - رحمه اللّه - في هذا الكتاب مقتضى الظاهر من صدور هذا الإيمان منه ، مع عدم ما يدل على منع القبول ،